لم تعد إنتاجية الموظف في بيئات العمل الحديثة مرتبطة فقط بعدد ساعات الدوام أو حجم المهام الوظيفية، بل أصبحت منظومة متكاملة تشمل بيئة العمل
كيف يحقق الموظف إنتاجيته واستمراره في وظيفته؟
الدعم المعنوي وتأثيره على الأداء الوظيفي
المسؤولية الاجتماعية… مفتاح الولاء الوظيفي
تحقيق: فريق مجلة صُنّاع المستقبل
لم تعد إنتاجية الموظف في بيئات العمل الحديثة مرتبطة فقط بعدد ساعات الدوام أو حجم المهام الوظيفية، بل أصبحت منظومة متكاملة تشمل بيئة العمل، والعطاء، والتعايش مع مختلف الشخصيات والثقافات. ويُعدّ رفع مستوى الإنتاجية والمحافظة على الاستمرارية الوظيفية من أبرز التحديات التي تواجه الموظف والمؤسسة على حدٍّ سواء، لما لذلك من انعكاس مباشر على جودة المخرجات ومستوى الأداء.
ومن منطلق تسليط الضوء على بيئة العمل داخل الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، قام فريق مجلة صُنّاع المستقبل بجولة ميدانية أجرى خلالها تحقيقًا صحفيًا مع عدد من موظفي الهيئة من مختلف التخصصات والإدارات، لاستطلاع آرائهم وتجاربهم حول بيئة العمل. وتمحور التحقيق حول سؤالين رئيسيين:
• كيف يمكن للموظف أن يُعطي ويُنتج أكثر في عمله؟
• ما العوامل التي تساعده على الاستمرار في العطاء؟
⸻
تنظيم الوقت والتطوير المهني أساس الإنتاجية
استهلّ الفريق لقاءاته مع المهندسة فاطمة محمد الهولي، مهندس إلكترونيات في مركز المبادرين، حيث أوضحت أن إنتاجية الموظف ترتبط بتوافر مجموعة من الصفات التي يجب التحلّي بها لإنجاز المهام على أكمل وجه، وفي مقدمتها تنظيم الوقت وتحديد الأولويات من الأهم فالأقل أهمية.

وأضافت أن تطوير الأداء يتحقق من خلال التسجيل في الدورات التدريبية التي تزيد من خبرة الموظف، مؤكدة أن العمل الجماعي وتشكيل فرق العمل يتيحان تبادل الخبرات ويزرعان روح التعاون بين الموظفين.
أما عن العوامل التي تساعد الموظف على الاستمرار، فأشارت إلى ضرورة وضوح المهام الوظيفية لكل قسم، وعدم إخفاء أي معلومات متعلقة بالعمل، تطبيقًا لمبدأ الشفافية، حتى يشعر الموظف بروح الإنجاز والعطاء، إلى جانب فرض الموظف احترامه في بيئة العمل. وختمت حديثها بقولها:
«الوضوح، والتقدير، والاحترام، والتعاون، هي الركائز الأساسية لاستمرار الموظف في العطاء».
⸻
الكلمة الطيبة… وقود العطاء
ومن جانب آخر، التقى فريق المجلة مع فوز حيدر، منسق إداري معاملات في إدارة الشؤون الإدارية – قسم التعيينات، التي سلطت الضوء على الجانب الإنساني في بيئة العمل، مؤكدة أن التشجيع اللفظي والكلمة الطيبة يُحدثان فرقًا واضحًا في نفسية الموظف، ولهما أثر كبير في رفع الإنتاجية، خاصة في الإدارات التي تتطلب تعاملًا مباشرًا مع الجمهور وتنوّع الشخصيات.

وأشارت إلى موقف مؤثر مرّت به قائلة:
«أخبرتني إحدى زميلاتي أنني كنت سببًا في تقبّلها وحبها للوظيفة، وكنت لها الدافع الرئيسي للاستمرار في العمل، وكلامها جعلني أشعر بسعادة كبيرة وشجّعني على حب العمل، خاصة أننا نمثل الهيئة بصورة مشرّفة».
⸻
بيئة داعمة تصنع موظفًا مُنجزًا
وفي السياق ذاته، أُجري حوار مع أ. أبرار خليل الصالح، اختصاصي وثائق ومعلومات في قسم ضبط الجودة، حيث أكدت أن إنتاجية الموظف لا تتحقق إلا في ظل بيئة عمل داعمة ومحفّزة، سواء كان الدعم ماديًا أو معنويًا.
وأوضحت أن المكافآت المالية تساعد الموظف على وضع أهداف جديدة وتحفيزه على الإنجاز، إلا أن الدعم المعنوي – ولو بكلمة شكر – له أثر نفسي كبير في رفع الروح المعنوية. وأضافت:
«الإدارة التي يسودها التعاون، ومكان العمل المريح من جميع النواحي، لهما دور كبير في قدرة الموظف على التركيز والإنجاز والعطاء».
وبيّنت أن الاستمرارية الوظيفية ترتبط بوضوح المستقبل المهني وشعور الموظف بالتقدير والانتماء، مؤكدة أن غيابهما يؤدي إلى تراجع الحماس والدافعية.
⸻
القيادة العادلة تصنع الاستقرار والإنتاج
بدوره، أكد أ. محمد ناصر الفضالة، رئيس قسم الشؤون الإدارية والمالية في كلية الدراسات التكنولوجية، أن الموظف يُنتج أكثر عندما يشعر بالقيمة الحقيقية لعمله وبأن جهده محل تقدير واهتمام.

وأشار إلى أهمية تفعيل القيادة العادلة، والاستثمار في تدريب الموظفين وتأهيلهم، بما يسهم في بناء بيئة عمل صحية يسودها التعاون والاحترام المتبادل، مما ينعكس إيجابًا على جودة الأداء وبناء الثقة داخل المؤسسة.
⸻
الالتزام والتعاون… معادلة النجاح
واتفق كلٌّ من م. فلاح يوسف الهملان، مهندس ميكانيك في إدارة الشؤون الهندسية والصيانة، وسبيكة فهد العامر، منسق إداري معاملات في إدارة الشؤون الإدارية، على أن إنتاجية الموظف تبدأ من التزامه الشخصي، لكنها لا تكتمل إلا في بيئة عمل قائمة على التعاون والاحترام.

وأوضح الهملان أن من أهم عوامل رفع الأداء الوظيفي الالتزام بأوقات الدوام، وتنظيم الوقت، وتطوير المهارات، والتعاون مع الزملاء، والالتزام بتعليمات العمل، مشيرًا إلى أن الاستمرارية ترتبط بالبيئة والذات معًا.
فيما أكدت سبيكة أن العمل بروح الفريق الواحد، وأسلوب تعامل المسؤول المباشر، وأخذ رأي الموظف بعين الاعتبار، عوامل رئيسية في تحفيز الإنتاجية والحد من الإحباط الوظيفي، مشيرة إلى أن الاحترام المتبادل بين الزملاء والجمهور ينعكس مباشرة على استمرارية العطاء.
⸻
المسؤولية الاجتماعية… بوابة الولاء الوظيفي
وفي ختام التحقيق، أوضح د. سيف فالح الكدم، منسق أول علاقات عامة في إدارة العلاقات العامة والإعلام، أن تطبيق مفهوم المسؤولية الاجتماعية في بيئة العمل يسهم في تعزيز ولاء الموظفين واستمراريتهم، من خلال مراعاة ظروفهم الاجتماعية خارج إطار العمل، وفهم احتياجاتهم الشخصية دون الإخلال بمتطلبات الوظيفة.

وأكد أن تفهّم ظروف الموظفين يخلق بيئة عمل مرنة ومنجزة، ويعزز روح الانتماء والولاء المؤسسي.
⸻
خلاصة التحقيق
على الرغم من تنوّع الآراء واختلاف زوايا الطرح، إلا أن المضمون المشترك يؤكد أن الاستثمار الحقيقي في الموظف لا ينعكس فقط على مستوى أدائه الوظيفي، بل يمتد ليشمل استقراره المهني، وبناء بيئة عمل منتجة ومستدامة، قادرة على تحقيق الاستمرارية والإنتاجية بكفاءة عالية