استقر الفاتحون في الأندلس قرابة 8 قرون وذلك بعد قضائهم على حكم لذريق بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد،
دكتور يوسف عبدالحميد بن ناجي
تخصص تاريخ اسلامي
كلية التربية الاساسية
قسم الدراسات الاجتماعية
استقر الفاتحون في الأندلس قرابة 8 قرون وذلك بعد قضائهم على حكم لذريق بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد، واختلط المسلمون مع السكان المسيحيين وتمثل ذلك في كافة أنواع المعاملات والمناسبات المختلفة فيهما بينهم مما دفع إلى ذوبان الفوارق الاجتماعية، لما كان ينتهجه حكام المسلمين من سياسة الإسلام العادلة، ولكن كما هو معروف أن رجال الكنيسة لا يلتزمون بالعهد مع حكام المسلمين حيث كان رجال الكنيسة في الأندلس متعصبين لدينهم ولا تعدوا نظرتهم للمسلمين إلا أنهم غزاة مغتصبين للحكم، جاءوا من صحراء الشرق البعيد هدفهم الأهم والأكبر القضاء على الديانة المسيحية.
وقاموا بالعديد من الأعمال العدائية ضد المسلمين مثل قيام المتعصبين الرهبان بدعوة سكان النصارى للقضاء على الحكم الإسلامي وكذلك اتهموا سكان الاسبان الذين اعتنقوا الإسلام وضموا معهم المستعربين ـــ وهم الذين درسوا علوم المسلمين واللغة العربية وبقوا على ديانتهم المسيحية ـــ بالخيانة لدينهم ولحضارتهم الاسبانية لأنهم قبلوا وتعلموا علوم المسلمين خاصة اللغة العربية مما نتج عنه انحطاط وذوبان لغة حضارتهم اللاتينية.
ومن أبلغ الأمثلة على أن اشتداد الصراع وتعالت أصوات العداء وانبثقت روح الكراهية حول الإسلام بعد أن أشعل رهبان الكنيسة الفتنة وكان ذلك في عهد الخليفة عبد الرحمن الأوسط وتعتبر هذه الحركة حركة دينية شديدة الخطورة وكذلك قام هؤلاء المتعصبين بالمجاهرة بالسب والطعن في الإسلام والغرض من تلك المؤامرة الخبيثة نشوب الحرب الأهلية وإشعال نيران الصراع بين الجاليات المسيحية والمسلمة، مما دفع بدوره قضاة المسلمين بالحكم على زعماء الفتنة المتشددين بالإعدام ولكن المتعصبون اعتبروا المحكوم عليهم بالإعدام شهداء ، وقديسين لأنهم ضحوا من أجل هدف نبيل ألا وهو استرجاع أرضهم من أيدي المغتصبين المسلمين والدفاع عن دينهم السماوي المقدس، وعلى سبيل المثال حركة الاستشهاد حيث جرت مناظرة ونقاش بين القسيس برفنتوس ومسلم حول مميزات وفضائل أعمال وصفات محمد صلى الله عليه وسلم و عيسى عليه السلام في قرطبة ولكن للأسف تحولت هذه المناظرة إلى مأساة كبيرة حيث قام المسلم بالقبض على القسيس وقتله لما قام به الراهب النصراني من سب النبي الأشرف محمد صلى الله عليه وسلم
ومثال آخر إن المولدين ـــ وهم من أباء مسلمين وأمهات إسبانيات مسيحيات ـــ والمستعربين ــــ هم من تعلموا اللغة العربية وعلوم المسلمين ـــ لعبوا دوراً هاماً في التحالف مع المتعصبين المسيحيين لأنهم لم يفقدوا شخصيتهم ذات الثقافة والحضارة الإسبانية وكذلك كانوا فخورين بأنهم منحدرين من أصول اسبانية لذلك استغلوا ضعف الخلافة الأموية وبالأخص زمن الأمير عبد الله الأحمر، وظهرت فتنة في مدن الأندلس و هي ثورة عمر بن جفصون في ببشتر، وبطلميوس الذي كان معتز بعصبية المولدين ضد العرب وكانت تعتبر من أخطر الحركات خطراً على الإسلام، كذلك برزت ثورة عمروس الوشقي من أمراء المولدين في حكم الربضي وكانت مركزهم ونشاطهم في أشبيلية؛ ونجحت مؤامرة المتشددين بزرع الشقاق والفرقة بين المسيحيين وناشدوا المسيحيين لمناصرة هدفهم النبيل وهو استرداد حضارتهم المسيحية وتاريخهم الوطني ومحاربة المسلمين وطردهم من الأندلس.
واستغل رجال الكنيسة تلك الحادثة المؤلمة مثل ما قام به رئيس الحركة يولخيوس بإلقاء كلمات سيئة عن الإسلام وأخذ يعيب على الاسبان الذين اعتنقوا الإسلام وأيضا على المستعربين، ولكن الخليفة الأموي أدرك الموقف بسرعة لأنه كان يعلم أن الأمور ممكن أن تخرج عن السيطرة وأن تلك الحركة تمثل خطرًا على الخلافة الإسلامية فاتبع سياسة الحكمة والحزم , وأمر بعقد مجلس المطران في قرطبة برئاسة ريكفارد مطران كنيسة أشبيلية وكان يمثل الخليفة الأموي كاتبه النصراني جوميز وقد اعتنق الإسلام فيما بعد ولقب بحمامة المسجد وأصدر المجلس عدة قرارات منها تحذير النصارى من المشاركة وتأييد تلك الحركة المتعصبة وتهديد كل شخص ينضم إلى تلك المجموعة بالاعتقال والحبس، ولكن زادت الحركة قوة وتمادوا بالطعن في الإسلام واستخدام الألفاظ السيئة، وكان نتيجة ذلك كله حبس أعداد كبيرة منهم في السجن، ويتضح من ذلك أن سياسة الخليفة لم تنجح.
وحاول القضاة المجادلة معهم بالتي هي أحسن وإقناعهم بالعدول عن رأيهم والعيش بسلام ولكن المتعصبون فضلوا الموت مما اضطر القضاة بالحكم عليهم بالإعدام، ولكن الأساقفة المتشددين كرموا المحكوم عليهم واعتبروهم شهداء.
وبعد موت الخليفة الأموي عبد الرحمن الأوسط وتولي الخليفة محمد الأول أمر بحبس يوليوخيوس وغيره من زعماء الحركة المتشددة وأمر بإعدامه وأخذت الفتنة تضعف وتنهار قوتها وانتهت من الوجود في قرطبة والتي استمرت 8 أعوام من سنة 851 الى 859م ولم تحقق أي نتيجة أو نجاح و أدت في النهاية إلى اعدام اكثر من 44 من المتعصبين للنصرانية .