عضو هيئة التدريب / أ. ناصر أحمد العدساني
قسم السياحة – المعهد العالي للخدمات الإدارية
واجه العالم في بداية الربع الأول من سنة ٢٠٢٠ انتشار فيروس كورونا المستجد أو ما يعرف "بجائحة كورونا"، وشهدت المؤسسات العالمية في مختلف المجالات تحديات وصعوبات غير مسبوقة في إدارة أعمالها نتيجة تطبيق سياسة الانغلاق والحجر المنزلي مع حظر الانتقال مما خلق أزمات حقيقية في مختلف جوانب الحياة الطبيعية.
وأشارت الدراسات الطبية إلى أنه لا توجد دلائل على قرب انتهاء الأزمة والعودة للحياة الطبيعية بعد أن صرح الأطباء ووكالات الأدوية أنهم لم يتوصلوا لإيجاد لقاح أو علاج مناسب للفيروس في القريب العاجل، وفي غضون ذلك، طلبت الجهات الصحية في العالم تطبيق إجراءات مشددة للحد من انتشار الوباء، وذلك من خلال تحقيق التباعد الاجتماعي مع فرض حظر التجول في المدن والالتزام بالبيوت.
ومع استمرار تأثر الحياة سلباً نظراً لتطبيق تلك الإجراءات الاحترازية المشددة، فقد اتجهت أغلب المؤسسات من مختلف دول العالم إلى تغيير أساليبها الاعتيادية من خلال اللجوء إلى استخدام الطرق التقنية لأداء المهام والأعمال عن بعد بالشكل المطلوب.
سأركز في مقالتي هذه على التحديات التي أوجدتها جائحة كورونا أمام المؤسسات التعليمية والتدريبية بدولة الكويت والتي كان من أبرزها تغيير أسلوب التعليم التقليدي الاعتيادي والاتجاه نحو استخدام التقنيات المتقدِّمة في عملية التعليم أو ما يعرف بالتعليم عن بعد، وذلك جاء بعد أن تم تعليق الدراسة في المؤسسات التعليمية لتطبيق سياسة حظر الانتقال والاختلاط خوفاً من تفشي المرض بين الأفراد. ومن هنا واجه العديد من المؤسسات التعليمية تحديات غير مسبوقة خاصة أن تغيير نمط التدريس الاعتيادي من تعليم الفصول إلى تعليم عبر المنصات الإلكترونية لم يكن من السهل خاصة أننا واجهنا تحدي ثقافة التغيير في التحول في نمط التعليم.
وكانت رؤية العاملين في القطاع التعليمي أن استمرارية التعليم للطالب أفضل من توقفه، لذلك اتجهت الدولة نحو بدء العمل بنظام التعليم عن بعد مع إيقاف دوام الطلاب والمعلمين في المؤسسات التعليمية العامة والخاصة حرصاً على استمرار العملية التدريسية والتدريبية ومع الحفاظ على سلامة المعلمين والطلاب من انتقال العدوى.
والجدير بالذكر أن هذا النظام يعمل بصفة عامة على نقل المحاضرات التدريسية والتدريبية إلى الطلبة في موقع إقامتهم بدلاً من انتقالهم إلى موقع المُؤسَّسة التعليميَّة ذاتها، وذلك التزاماً بقرارات السلطات الصحية. وبناء على ذلك، أصبح على العاملين والطلاب في قطاع التعليم والتدريب بالدولة مواكبة هذا التطور التقني لاستكمال المرحلة التعليمية والتدريبية بنجاح خاصة عندما تتوقف الحياة لاعتبارات صحية. ويعد التعليم عن بعد نظاماً جديداً ومتطوراً لاسيما على المؤسسات التعليمية والتدريبية المحلية بالدولة، حيث يعتمد بشكل عام على استخدام الأدوات التعليمية التقنية الحديثة في عملية التدريس والتدريب مع توفر منصات تعليمية وبرمجيات إلكترونية متخصصة مرتبطة بمحافظ تعليمية مزودة بكفاءات عالية المستوى تعمل على نقل المحاضرات والمعلومات العلمية إلى الطلاب داخل الفصول الإلكترونية الافتراضية عن طريق وسائل وآليات الاتصال المتطورة، من حاسبات ووسائط تجمع بين الصوت والصورة والرسومات الإيضاحية، والاختبارات بالإضافة إلى المكتبات والمناهج الرقمية.
ويمكن القول إن عملية التعليم عن بعد تعد معرفة جديدة في العملية التدريسية والتدريبية في الكويت، وعلى الرغم من أهميتها فإن هناك ندرة في استخدامها قبل جائحة فيروس كورونا. وما شهدناه خلال الفترة الأولى من تطبيق هذا النظام أن دافعية المعلم والمتعلم في اكتساب مهارات ومعارف جديدة خلال فترة وجيزة كانت من أشد الصعوبات التي واجهناها في ذلك الوقت، حيث مثلت هاجساً كبيراً، بدءاً من أعضاء هيئة التدريب مروراً بالطلبة وانتهاء بأولياء الأمور خوفاً من مدى صعوبة التعايش والتعاطي مع هذا النوع من التعليم. ومع استمرار العملية التدريبية لاحظنا تحسن استجابة الطلاب إضافة إلى تكيُّف أعضاء هيئة التدريب مع هذا النمط من التعليم بشكل أفضل بكثير مما كنا عليه في بداية الأمر.
ومن خلال تجربتي في عملية التدريب عن بعد يجعلني أقول بكل حيادية وموضوعية: بلا شك أن هذا النمط من التعليم قد أفاد الطلبة بالدرجة الأولى بعد أن أثبت جدارته في ظل جائحة كورونا على نحو أفضل مما توقعناه على الرغم من وجود بعض السلبيات التي يصعب تداركها، فمعظم السلبيات تكمن في مشاكل تقنية وفنية في استخدام البرامج الإلكترونية وانقطاع الإنترنت بالإضافة إلى مخاوف حول أداء الاختبارات وعملية تقييم حضور ومشاركة الطلاب نتيجة عدم القدرة على التواصل المباشر معهم. وعملت الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب جاهدة على تعديل توزيع درجات المواد التدريبية خلال فترة التعليم عن بعد لتتماشى مع هذا النظام التعليمي الجديد، بحيث كانت النسبة العظمى من الدرجات على الأعمال الفصلية، ويرجع ذلك لأسباب حصرية، تشمل ضبط عملية الاختبارات بالإضافة إلى تحقيق مبدأ العدالة والمساواة بين الطلبة من خلال تشجيعهم على الحضور والمشاركة، ويمكن القول من منظوري الشخصي : إنه لا غنى عن التعليم التقليدي الذي يحقق التفاعل بين المعلمين والطلاب في مقاعدهم بشكل أفضل ،حيث يعمل على نموهم فكرياً من خلال عملية التواصل والتفاعل المباشر مع الطلبة، لكن كما ذكرنا سابقاً أن الغاية المنشودة من تطبيق " التعليم عن بعد " هي استمرار العملية التعليمية والتدريبية بلا انقطاع مع عدم تأخر تخرج الطلبة، حيث يعتبر هذا النظام التقني مكملاً للتعلُّم التقليدي الاعتيادي لاسيما عندما تتوقف الدراسة لاعتبارات صحية للحفاظ على سلامة وصحة المعلمين والطلاب.
وأخيراً قبل أن أختم مقالتي، علينا كأعضاء في المؤسسة التعليمية أن ندرك أهمية هذا النوع من التعليم والعمل على إيجاد العديد من الاستراتيجيات الحديثة وغير التقليدية، والتي من شأنها أن تضمن جودة تفعيل منظومة التعليم عن بعد بالدولة والتي ربما قد تستمر كنظام تعليمي وتدريبي موازٍ للنظام التعليمي التقليدي في ظل بعض الظروف، فعلى المؤسسات التعليمية والتدريبية بدولة الكويت أن تعزز من العمل على علاج نواحي القصور عن طريق الاستمرار في متابعة آخر المستجدات في عالم التكنولوجيا في مجال التعليم، والحرص على تدريسها وتحديثها وتعزيزها مع تعميق سلسلة المفاهيم التعليمية الحديثة، والتي تعد اليوم نوعاً ما بديلاً استراتيجياً للدراسة التقليدية، حيث أصبحت اليوم تقنيات التكنولوجياً المتطورة مستعملة بشكل كبير في مختلف مجالات التدريس والتدريب مقارنة بما كانت عليه بالسابق، فبات من الضروري اليوم على المؤسسات التعليمية والتدريبية المحلية بدولة الكويت تحسين مهارات استخدام التطبيقات والبرامج التكنولوجية الحديثة في مجال التعليم مع تدريسها وتدريب العاملين عليها بشكل مستمر، للاستفادة منها بقدر الإمكان لتحقيق غاياتهم المستقبلية بالشكل الصحيح.