المشهد التعليمي العالمي شهد في السنوات الأخيرة إعادة صياغة جذرية لمفاهيم التعلم، حيث لم يعد التحول الرقمي مجرد خيار تقني، بل ضرورة استراتيجية فرضتها متطلبات الاستمرارية ومعايير الجودة
• أ.د. أحمد الحنيان:"إنتقال مدروس عكس جاهزية حقيقية بكافة المستويات".
• أ.د. الحنيان:"ضوابط نظمت المفاهيم والآليات وبينت المسؤوليات".
المشهد التعليمي العالمي شهد في السنوات الأخيرة إعادة صياغة جذرية لمفاهيم التعلم، حيث لم يعد التحول الرقمي مجرد خيار تقني، بل ضرورة استراتيجية فرضتها متطلبات الاستمرارية ومعايير الجودة، ولمواكبة هذه التغييرات والتحولات، برزت الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب كنموذج مؤسسي رائد نجح في إدارة هذا التحول بكفاءة عالية، منتقلاً من التعليم التقليدي إلى فضاءات التعليم الرقمي ضمن إطار يجمع بين الجاهزية التقنية والانضباط الأكاديمي.
وفي هذا اللقاء، يتناول مساعد المدير العام للتحول الرقمي والحوكمة أ. د. أحمد الحنيان التجربة من منظور مؤسسي، مسلطاً الضوء على ملامح آليات التنفيذ وأبرز التحديات، والدروس المستفادة التي تؤكد أن نجاحها لا يقوم على سرعة الاستجابة فقط، بل على التخطيط المحكم وبناء منظومة تعليمية مستدامة.
• كيف تقيمون تجربة الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب في التحول من التعليم الحضوري الى التعليم عن بعد؟
بدايةً، إن ما حدث في الهيئة لم يكن مجرد إنتقال من قاعة دراسية إلى منصة رقمية، بل كان إنتقالاً مؤسسياً مدروساً عكس جاهزية حقيقية على المستوى الإداري والتقني والأكاديمي، لقد تعاملت الهيئة مع المرحلة بمسؤولية عالية، وسارعت إلى ضمان استمرارية الدراسة والتدريب عبر منصات تعليمية معتمدة، في مقدمتها منصتي "تيمز ومودل"، بما يُحافظ على انتظام العملية التعليمية ومنع توقفها.
والأهم من ذلك أن هذا التحول لم يكن استجابة مؤقتة فحسب، بل جاء ضمن رؤية أكثر شمولاً هدفت إلى ترسيخ تعليم رقمي مُنظم يُحافظ على الجودة والانضباط، ويمنح في الوقت نفسه قدراً مهماً من المرونة.
• ما الذي جعل هذه التجربة مختلفة ومميزة في نظركم؟
الذي ميز هذه التجربة هو أن الهيئة لم تتعامل مع التعليم عن بعد بوصفه حلاً طارئاً فقط، بل اعتبرته جزءاً من منظومة مؤسسية ينبغي أن تخضع للتنظيم والحوكمة، لذلك لم يقتصر الأمر على استخدام المنصات، بل صدرت ضوابط وقرارات نظمت المفاهيم وحددت الأدوار، وبينت مسؤوليات الإدارات التعليمية والتزامات أعضاء هيئة التدريس والتدريب وواجبات الطلبة، ونظمت آليات التقييم والنزاهة الأكاديمية وحماية المحتوى التعليمي، هذا الجانب التنظيمي هو الذي أعطى التجربة قوتها وعمقها، وجعلها أكثر تماسكاً واستدامة.
• كيف نجحت الهيئة في تحقيق التوازن بين المرونة التي يتطلبها التعليم الرقمي وبين الانضباط الأكاديمي؟
هذا السؤال في غاية الأهمية، لأن نجاح أي تجربة رقمية في التعليم لا يُقاس فقط بسهولة الوصول، بل أيضاً بقدرتها على حماية المعايير الأكاديمية، في الهيئة كنا حريصين على تحقيق هذا التوازن بدقة.
وصحيح، تم تفعيل التعليم عن بعد بما يضمن استمرار الدراسة في الظروف الاستثنائية، لكن ذلك لم يكن على حساب جودة التعليم أو جديته، بقيت هناك ضوابط واضحة للحضور والتفاعل والتقييم والتحقق من الهوية والالتزام بالسلوك الأكاديمي، كما تم التأكيد على أن الاختبارات النهائية تكون حضورية كأصل عام، ما لم تستدع الظروف غير ذلك، وهذا يعكس قناعة راسخة لدينا بأن التحول الرقمي الناجح هو الذي يطور الوسيلة دون أن يمس جوهر العملية التعليمية.
• ماذا عن العنصر البشري؟ وهل كان هو التحدي الأكبر في هذا التحول؟
بلا شك، العنصر البشري كان محور النجاح، فالمنصات مهما كانت متقدمة إلا أنها لا تحقق أثرها الحقيقي ما لم يوجد من يحسن توظيفها، من هنا جاء اهتمام الهيئة ببناء القدرات، ورفع الجاهزية الرقمية لدى أعضاء هيئة التدريس والتدريب، وعدم الاكتفاء بتوفير الأدوات فقط.
كنا ندرك أن التحول الرقمي في التعليم يبدأ بالإنسان قبل التقنية، ولذلك تم إطلاق برنامج تدريبي وتوعوي متكامل استهدف الكليات والمعاهد، وركز على تمكين الكوادر الاكاديمية من إدارة المحاضرات الافتراضية، وتصميم الاختبارات الإلكترونية وتقديم محتوى أكثر تفاعلاً وكفاءة من خلال المنصات المعتمدة.
• حدثنا عن هذا البرنامج التدريبي وما الذي تضمنه؟
البرنامج جاء عملياً ومباشراً وملبياً للاحتياجات الفعلية في الميدان، فقد تضمن دورات في إدارة الفصول الافتراضية عبر منصة تيمز، وإنشاء الاختبارات الإلكترونية بإستخدام منصتي تيمز وفورمس، إلى جانب دورات متخصصة في منصة مودل شملت بناء بنوك الأسئلة، وتصميم الاختبارات وتنويع أساليب التقييم، بل وامتدت إلى موضوعات تخدم الجوانب العلمية والتطبيقية.
ولم نقف عند حدود الدورات المباشرة، بل تم كذلك إعداد فيديوهات توضيحية قصيرة، وتوفير مواد تدريبية مساندة، وإنشاء قنوات للدعم الفني والتواصل المستمر، حتى يصبح الدعم متاحاً في كل وقت، وحتى تتحول الخبرة الرقمية إلى ممارسة يومية مستقرة.
كما تضمن البرنامج عقد جلستين نقاشيتين افتراضيتين عبر منصة تيمز، الأولى تناولت النزاهة العلمية وآليات التقويم والاختبارات الإلكترونية، فيما ركزت الجلسة الثانية على آليات التعليم الفعّال في المنصات التعليمية الإلكترونية والتدريس خلف الشاشة، وذلك بمشاركة نخبة من أعضاء هيئة التدريس وبهدف تعزيز الممارسة التعليمية الرقمية.
• هل كان هناك عمل جماعي منظم أسهم في قيادة هذا المسار؟
نعم بكل تأكيد، لقد كان العمل مؤسسياً وجماعياً، وشارك فيه عدد من الجهات والفرق التي عملت بروح عالية من المسؤولية والتكامل، وكان هناك فريق دعم للتعليم الإلكتروني ناقش منذ وقت مبكر متطلبات المرحلة، وسبل استمرارية العملية التعليمية والاحتياجات التدريبية وأولويات التنفيذ.
كما تم توزيع المهام وإعداد خطة للتوعية والتدريب، والتركيز على تطوير جودة التقييم، وتنويع أدوات القياس، وتعزيز الاستفادة من المنصات بشكل تربوي منظم، وهذا يؤكد أن النجاح لم يكن نتيجة جهد فردي، بل ثمرة تعاون مؤسسي منسجم.
• من خلال هذه التجربة، هل ترون أن التعليم الإلكتروني أصبح بديلاً كاملاً عن التعليم الحضوري؟
لا، لا أرى الأمر بهذه الصورة، التعليم الحضوري سيبقى أساساً مهماً في بناء الخبرة التعليمية المباشرة، وخاصة في الجوانب التطبيقية والأنشطة التي تحتاج إلى تفاعل ميداني مباشر، لكن التعليم الإلكتروني أثبت أنه ليس مجرد خيار ثانوي، بل أداة داعمة وقوية ومؤثرة، يمكنها أن تعزز المحتوى وتوسع مصادر التعلم وتدعم التفاعل وتسهم في المتابعة والتقييم، لذلك نحن نتحدث عن تكامل ذكي بين التعليم الحضوري والتعليم الإلكتروني المدمج، لا عن صراع بين نموذجين، المستقبل في تقديري سيكون للمؤسسات التي تعرف كيف توظف هذا التكامل بكفاءة.
• ما الرسالة الأهم التي تودون إيصالها من خلال هذه التجربة؟
الرسالة الأهم هي أن المؤسسة التي تستثمر في الحوكمة والبنية الرقمية وبناء القدرات تستطيع أن تحول التحديات إلى فرص حقيقية للتطوير، ما أنجزته الهيئة لم يكن فقط عبوراً ناجحاً لمرحلة استثنائية، بل كان بناء لمسار مؤسسي أكثر نضجاً ويعزز المرونة ويرفع الجاهزية ويؤسس لمستقبل تعليمي أكثر كفاءة وجودة، هذه التجربة أكدت أن النجاح لا يتحقق برد الفعل السريع فقط، بل بالتخطيط والتنظيم والعمل الجماعي واستشراف ما بعد الأزمة.
• وفي ختام هذا الحوار، لمن توجهون كلمة التقدير؟
ختاماً، أتقدم بكل الشكر والتقدير إلى مركز نظم المعلومات على جهوده التقنية والفنية في دعم البنية الرقمية والمنصات التعليمية، وإلى إدارة العلاقات العامة والإعلام على دورها المهم في التواصل والتوعية وإبراز الجهود المؤسسية، كما أشكر جميع الجهات المساندة التي أسهمت في إنجاح هذا التحول، كل من موقعه واختصاصه.
ويستحق فريق التدريب وفريق دعم التعليم الإلكتروني إشادة خاصة لما قدموه من عمل مهني منظم في إعداد الدورات وتقديم الورش وإنتاج المواد التوضيحية ومتابعة الدعم الفني، لقد كان هذا التعاون نموذجاً مشرفاً في العمل المؤسسي، وكان له أثر مباشر في تعزيز الجاهزية الرقمية وضمان استمرارية العملية التعليمية بكفاءة واقتدار.