شهر رمضان المبارك شهر تتغير فيه تفاصيل الحياة اليومية، بين الصيام والعبادات والالتزامات الاجتماعية، ومعه تتغير وتيرة ومستويات الدراسة والتركيز والطاقة لدى الطلبة وأعضاء هيئة التدريس
تحقيق صحفي:
أ.د. وليد الحمد:" النظام التعليمي الناجح هو الذي يُراعي ظروف المتعلم النفسية والجسدية
د. أماني آل هيد:" الإشكالية الحقيقية ليست في تحويلة بل في تنظيم الجداول الدراسية"
د. أسماء النقي: " التجارب السابقة أظهرت ضعف التركيز والتفاعل"
أ.هناء الكندري: "يجب الأخذ بالاعتبارات الإنسانية والصحية".
شهر رمضان المبارك شهر تتغير فيه تفاصيل الحياة اليومية، بين الصيام والعبادات والالتزامات الاجتماعية، ومعه تتغير وتيرة ومستويات الدراسة والتركيز والطاقة لدى الطلبة وأعضاء هيئة التدريس، فلا يمكن اعتباره فترة اعتيادية ضمن التقويم، ومع تكرار هذه الفترة سنوياً وفي ظل استمرار الدراسة خلال الشهر الفضيل يبرز التساؤل حول مدى ملاءمة نمط الدراسة الحالي وإمكانية تحويل الدراسة إلى "دراسة عن بُعد" ليخفف الضغط ويساعد على التوفيق بين الدراسة وخصوصية الشهر الفضيل.
وفي هذا الإطار، رصدت مجلة "صناع المستقبل" من خلال تحقيق صحفي آراء أكاديمية وإدارية متباينة، للوقوف على الإيجابيات والتحديات المرتبطة بتطبيق التعليم عن بُعد والدعوة إلى مقاربة إنسانية مرنة في إدارة التعليم خلال الشهر الفضيل.

بدايةً ترى مساعد العميد لشؤون الطالبات في كلية الدراسات التكنولوجية د. أماني آل هيد أن تحويل الدراسة إلى دراسة عن بُعد في شهر رمضان ممكن ولا توجد فيه مشكلة من حيث الإمكانيات، مؤكدة أن الهيئة سبق وأن خاضت تجربة التعليم عن بُعد خلال جائحة كورونا، واستمرت العملية التعليمية حينها بشكل سليم.
وأوضحت أن المنصات التعليمية وعلى رأسها "تيمز"، مدعومة من فرق تقنية المعلومات التي تتعامل مع أي أعطال أو انقطاعات فور حدوثها، مشيرة إلى أن أعضاء هيئة التدريس متعاونون ومدربون وقادرون على استخدام المنصات المختلفة، سواء في تقديم المحاضرات أو تسليم الواجبات أو التقييمات.
وفيما يتعلق بالصيام، أكدت أن الصيام بحد ذاته لا يُعد عائقاً أمام التركيز أو الأداء، معتبرة أن العادات الاجتماعية المرتبطة بالسهر هي العامل الأكثر تأثيراً، وهو أمر يعود إلى سلوك الفرد نفسه، وليس إلى طبيعة الشهر الكريم.
ورغم تأكيدها على توفر الإمكانيات التقنية والأدوات، إلا أنها شددت على أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في الدراسة عن بُعد بحد ذاته بل في تنظيم الجداول الدراسية، خصوصاً في حال الجمع بين التعليم الحضوري والتعليم عن بُعد في اليوم نفسه.
وأشارت إلى أن عدداً كبيراً من الطالبات يعتمدن على الحافلات في التنقل من وإلى الكلية، ما قد يؤثر على تركيزهن في حال وجود محاضرات في برنامج "تيمز" أثناء التنقل أو قبل الإفطار، ولفتت إلى أن انتقال الطالب أو عضو هيئة التدريس مباشرة من محاضرة حضورية إلى أخرى في التيمز دون وجود فترة فاصلة قد يشكل عبئاً إضافياً، ما يستدعي إعادة جدولة المحاضرات أو توفير فترات توقف تتيح التنقل والاستعداد.
فيما يخص المقررات العملية، أوضحت د. أماني أن بعض المختبرات يمكن تقديمها حضورياً خاصة في الفترة الصباحية، بينما يمكن التعامل مع الجانب النظري أو بعض التجارب عن بُعد باستخدام برامج المحاكاة أو الشرح المصور بحسب طبيعة المادة، وأشارت إلى أن بعض التجارب خصوصاً التي تتطلب مواد وتركيبات معينة، لا يمكن تنفيذها في برنامج تيمز إلا على مستوى المشاهدة فقط، ما يستدعي إعادة ترتيب المحتوى العملي أو تأجيله لما بعد شهر رمضان.

أما بالنسبة لرئيسة قسم شؤون الطلبة بكلية العلوم الصحية – بنات أ. هناء الكندري ترى أن تحويلها خلال شهر رمضان مفيد للطالبات، لا سيما من الناحية الصحية في ظل طول اليوم الدراسي وتأثير الصيام والتنقل المستمر، خصوصاً للطالبات اللاتي يعتمدن على الحافلات.
وأشارت إلى ورود شكاوى متكررة تتعلق بالتعب والإجهاد وأحياناً حالات إغماء، نتيجة بقاء الطالبات لفترات طويلة داخل الكلية رغم وجود محاضرة أو محاضرتين فقط، إضافة إلى الفجوات الزمنية الطويلة بين المحاضرات بسبب اعتذار بعض أعضاء هيئة التدريس.
وأكدت أ. هناء أن التعليم عن بُعد يخفف العبء على الطالبات ويقلل من المشاوير، مع ضرورة التزام أعضاء هيئة التدريس بالتواصل الواضح مع الطلبة وإعلان خططهم الدراسية خلال شهر رمضان، خاصة في حال الاعتذار عن المحاضرات.
وفيما يتعلق بالجانب العملي، أوضحت أن بعض الأنشطة مثل التدريب الميداني، لا يمكن تحويلها، بينما يمكن تنظيم المختبرات من خلال الاتفاق مع الطالبات بتخصيص يوم للحضور العملي وبقية الأيام للشرح النظري.

من جانبها، أكدت عضو هيئة التدريس في كلية الدراسات التكنولوجية- قسم الهندسة الإلكترونية د. أسماء النقي أن المنصات التعليمية متوفرة ومستخدمة بالفعل خلال الفصل الدراسي في التواصل مع الطلبة وتزويدهم بالمواد التعليمية، موضحه أن بعض المواد لا سيما التي تعتمد على الحاسوب والمواقع الإلكترونية يمكن تنفيذ جانبها العملي عن بُعد دون إشكال، في حين يتم اللجوء إلى برامج المحاكاة في التخصصات التي تتطلب أجهزة ومختبرات.
وعلى الرغم من أنها تُقر بتوفر الإمكانات إلا أنها أبدت تحفظها على مدى التزام وجدية بعض الطلبة في حال التحول إلى دراسة عن بُعد، مشيرة إلى أن التجارب السابقة أظهرت ضعف التركيز والتفاعل لدى فئة منهم، نتيجة تشتت البيئة المحيطة وعدم الجدية في التعامل مع هذا النمط من التعليم.
كما أوضحت أن ليس جميع أعضاء هيئة التدريس يمتلكون البيئة المناسبة لتقديم المحاضرات عن بُعد سواء من حيث المكان أو الظروف، مؤكده أن الأغلبية قد تكون قادرة لكن ليس الجميع، وأكدت تأييدها للحضور في الفترة الصباحية معتبرة أن الفترة المسائية هي الأصعب، لكنها لا تؤيد تحويل الدراسة بالكامل.

أما بالنسبة لعضو هيئة التدريس بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية الأساسية أ.د. وليد الحمد الذي تطرق للموضوع من الجانب الأكاديمي بمنظور أوسع يرى أن تحويل الدراسة إلى دراسة عن بُعد في شهر رمضان ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه تراجعاً عن التعليم الحضوري، بل كخيار تربوي مرن يُدار بوعي، لا كقرار إداري يُفرض بشكل جامد.
ويؤكد أ.د. الحمد أن التعليم في جوهره عملية إنسانية قبل أن يكون تنظيماً إدارياً، وأن أي نظام تعليمي ناجح هو الذي يراعي ظروف المتعلم النفسية والجسدية دون الإخلال بجودة المخرجات، ويرى أن التعليم عن بُعد في رمضان يمنح الطلبة مساحة للتخفيف من الإرهاق المرتبط بالحضور والتنقل ويساعد على اختيار أوقات مناسبة للمحاضرات، إضافة إلى إتاحة فرصة إعادة مشاهدة المحتوى العلمي، وهو ما يمثل قيمة تعليمية حقيقية.
ويشير إلى أن ضعف التفاعل الإنساني المباشر واحتمالية تراجع الالتزام الأكاديمي لدى فئة من الطلبة تبقى مخاوف مشروعة، مؤكداً أن الإشكالية لا تكمن في تحويل الدراسة ذاته، بل في كيفية إدارته تربوياً من حيث زمن المحاضرة وأسلوب عرضها وأدوات التفاعل وآليات التقييم.
ويشدد على أن المحاضرة الناجحة في هذا السياق هي محاضرة مركّزة، واضحة الأهداف، تراعي طبيعة الشهر الفضيل، وتبتعد عن الإطالة المرهقة، مع ضرورة تحقيق التوازن بين المحاضرات المباشرة والمحتوى المسجل، بما يضمن الاستقرار النفسي للطالب، وهو عنصر أساسي في نجاح أي تجربة تعليمية