الحلقة الثانية
شاهد على المسيرة..
أ. غلوم حسن العطار
|
 |
تشهد الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب بناء وتشييد ورشة كبيرة عمادها الإخلاص، وهدفها رفعة الوطن، ووقودها عزيمة رجال أوفياء، استقرأوا وصايا ولي الأمر وتوجيهاته وتطلعاته وأحلامه، فشمروا سواعد البناء والتطوير والتجديد، مراعين في ذلك الأخذ بأحدث الأساليب العلمية والنظريات الإدارية التي تحقق الأهداف المرسومة لتلبية احتياجات الوطن وبناء أبنائه، محافظين على الثوابت، ممسكين بزمام الأمور، يرسمون بريشة مبدعة خطة طريق المستقبل المشرق، بدأ أبناؤنا يلمسون آثارها، وستحقق بإذن الله أهدافها.. فمن مدرسة صناعية إلى كلية تكنولوجية إلى كلية للعلوم الصحية إلى أخرى للتمريض وأخرى للتربية الأساسية ومن معهد إلى آخر ، إلى مراكز لتطوير المناهج وتحديثها ومراكز للبحوث التطبيقية والنظرية، والقادم فيه خير كثير.
فلا نملك إلا أن نشكر لهؤلاء الرجال الأوائل الذين حملوا على أكتافهم لواء العلم والتعليم في البلاد وإليهم ندين بالفضل على ما وصلنا إليه الآن في كافة الأصعدة العلمية منها والتربوية.. صناع المستقبل التقت رجلاً من هؤلاء ليطلعنا على بدايات التعليم الفني في الكويت وكيف نشأت فكرة إنشاء أول مدرسة صناعية في البلاد، لقاء مع الأستاذ غلوم حسن العطار شاهد على مسيرة التعليم الفني فيما يلي:
(تابع المنشور في العدد السابق)
وقد أوفدته معارف الكويت إلى إنجلترا في صيف عام1952 لإجراء بعض التعديلات الفنية على خرائط هذه المؤسسة وقد يسرت له وزارة المعارف الإنجليزية زيارة بعض الكليات الصناعية في إنجلترا للاطلاع على نفسها.
والأستاذ صادق جلال تخرج في المدرسة الصناعية في بغداد ثم اشتغل في مديرية البرق والتلفون ما يقارب من سنتين انتقل بعدها إلى مصر، وحصل على دبلوم مدارس الفنون والصناعات فيها، ثم اشتغل سنة كاملة في مشروعات الماء والكهرباء، ثم رحل إلى ألمانيا واشتغل بمصانع «سمنز» لمدة ستة أشهر، وفي هذه الأثناء نال شهادة المتروكليشن من جامعة برلين وسافر إلى سويسرا ونال شهادة الجامعة العليا للهندسة هناك واشتغل في بحث علمي لمدة سنتين بعد حصوله على الدرجة الجامعية بالجامعة نفسها، وبعد ذلك عاد إلى العراق وتعين مديراً لمدرسة الهندسة الصناعية فأستاذاً في كلية الهندسة ببغداد.
< هل هناك دور فاعل للقرار السياسي وأولي الأمر وقتئذ في دعم هذا النوع من التعليم؟
- سؤالك هذا يذكرني بندوة عقدت في مقر إقامة المغفور له صاحب السمو الوالد الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح، كان سموه يدرس في إحدى الكليات بإنجلترا، وكان سموه شغوفاً بالتعلم والتعليم، عقدت الندوة في شقته في أحد أحياء لندن الشمالية الغربية بتاريخ الاثنين 6 ابريل 1953، وكان الأستاذ عبدالرزاق اليوسف ومحمد خلف كاتبا الندوة.
ترأس الندوة الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح واشترك بها الأستاذ صادق جلال والشيخ صباح العبدالله الجابر، مهلهل مضف، سعد سلطان، جاسم الغانم، عبدالحميد الناصر، حامد عبدالسلام، عبدالوهاب راشد عبدالغفور وفرج العجيل.
بدأ سمو الشيخ سعد بأن شكر للجميع تلبيتهم هذه الدعوة، ثم تفضل بالقول: بمناسبة حضور الأستاذ صادق عبدالهادي جلال نجد أنها فرصة سعيدة للتحدث عن مستقبل الصناعة في الكويت، وإذا كان الأمر كذلك فإنني أرجو أن يكون هذا على هيئة أسئلة توجه للأستاذ جلال، فأجب أن أسأل الأستاذ عن الأشياء التي نستطيع بها سد الفراغ الذي سوف ينشأ عندما ينضب معين البترول في الكويت؟
هذا وقد أجاب الأستاذ صادق جلال على سمو الشيخ سعد بالآتي:
إن الصناعة في أي بلد من بلاد العالم تتوقف على أسباب كثيرة منها حركة البلد الإنتاجية كتأسيس المصانع، أو بحركة تجارية، فمثلا إذا أردنا أن نوجد مصنعاً للزجاج فإنه من الواجب علينا في أي بلد كنا وقبل إنشاء هذا المصنع أن نرى العوامل الأولية الخاصة بهذا المصنع، وهل هي متوفرة أم لا، فهذا المصنع في حاجة إلى أناس لهم إلمام بفنون عدة تتصل بالزجاج فقسم للمتاجر الكيماوية وقسم للمكائن، أي فنون لإدارة دفتر العمل.
وحينما زرت الكويت وبقيت فيها مدة لكي ارى نقص البلاد من هذه الناحية، فقد وجدت أنه مع الأسف الشديد أن دوائر الكويت الحكومية جميعها بلا استثناء تفتقر إلى الأيدي العاملة الوطنية، بل زد على ذلك فإن إدارة هذه الدوائر نفسها بيد أجنبية وفي بعضها أناس ليسوا عرباً، ولذلك فإنني أضع نصب عيني هذا النقص الذي يجب علينا أن نسده بأسرع ما يمكن بأيادٍ عاملة مخلصة تتقن العمل، ولذلك كان همي الأول أن أوجد الأهم فالمهم.
كان للأستاذ عبدالحميد الناصر مداخلة قائلا: «لقد علمنا أن إدارة الكلية قررت فتح فروع للكيمياء والميكانيكا وأشياء أخرى، ولكنها مع الأسف الشديد أهملت ناحية هامة وهي صناعة الجلود عامة والدباغة خاصة، مع أن معارف الكويت كانت قد ارسلتني للتخصص في هذا الفرع منذ أكثر من سبع سنوات إلى مصر ثم أتيت إلى هنا لإتمام عملي فماذا ترى موقفي الآن وقد قضيت هذه السنين أدرس وأعمل في هذا الاتجاه؟
فأجاب الأستاذ جلال على استفسار الأستاذ عبدالحميد الناصر بقوله: « ليست هناك فكرة في الوقت الحاضر لفتح هذا النوع في كلية (الكويت) الصناعية، ولكنني على يقين بأننا سوف نفتح جميع فروع الصناعة في هذه الكلية الناشئة حسب أهميتها فإننا كما أسلفت نعمل للأهم فالمهم وهكذا.
تدخل سمو الشيخ سعد العبدالله فسأل أ. صادق جلال: بصفتك مديراً للكلية الصناعية ولك اطلاع واسع بالصناعة فهل ترى إنشاء مثل هذا المصنع في الوقت الحاضر؟
فرد الأستاذ صادق جلال على سموه بالآتي: إنني لا أرى فتح مثل هذا المصنع في الوقت الحاضر وخاصة ونحن الآن في أول الطريق.
ويسأل سمو الشيخ سعد الصباح: أعرف أن إدارة المعارف عاملة جهدها على فتح المدرسة الصناعية، والسرعة طبعاً تضطرنا إلى استخدام الأجانب بصرف النظر عن جنسيتهم.
ويجيب على الشيخ سعد الأستاذ جلال بالآتي: هذا ما سنقوم به وحينما يرجع الطلبة الذين يدرسون في الخارج ويكونون تحت إشراف هؤلاء الأجانب الذين سيسلمون العمل بعد أن تثبت كفاءتهم وقدرتهم على ذلك.
وهنا وجه الشيخ صباح العبدالله ا لجابر الصباح إلى الأستاذ جلال السؤال التالي: «هل تعتقد أن هؤلاء الأربعة عدد كاف لهذا السبب»؟
فجاء جواب الأستاذ صادق جلال: «لا.. وإننا جادون في إيجاد أكبر عدد ممكن لإرسالهم الى الخارج للدراسة، وهنا أحب أن أذكر بأنني لا أقصد، الخارج بأي بلد بالذات فإنني بخبرتي وتجاربي العديدة في كثير من بلاد العالم سواء في الشرق أو الغرب أرى أن نتوقف بالإرسال إلى بلد واحد، بل يجب علينا أن نرسل كل إلى بلد في الشرق والغرب عدداً من الطلبة ليعودوا إلينا حاملين صناعات مختلفة من بيئات متباينة وأقطار مختلفة كل الاختلاف في كل أمر حتى نجني ثمرة هذاالتباين في الثقافة الصناعية، وحبذا لو عملت المعارف على إرسال بعض الطلبة إلى كل من بلاد أوروبا الوسطى كألمانيا والنمسا، وسويسرا وفرنسا، وغيرها من البلاد الصناعية.
وختم سمو الأمير الوالد رحمة الله عليه، الشيخ سعد العبدالله بهذا الجزء الأول من هذه الندوة الخاصة بالصناعة، وعليه شكر الشيخ سعد الأستاذ صادق جلال على معلوماته القيمة التي أوضحها لنا، ونتمنى له كل التوفيق في مهمته الحيوية للكويت في نهضتها الحديثة كما نرجو أن نلمس ثمار عمله وزملائه في القريب العاجل إن شاء الله.
وحول ما إذا كان مجلس معارف الكويت، منذ عام 1938، وهو يدعم التعليم في الكويت بجميع مراحله وأنواعه حكومة وشعباً، ونرى ما دار في هذه الندوة من موضوعات قيمة حول كيفية تأسيس التعليم الفني والتدريب المهني في الكويت، فهذا يثبت الدعم الكامل سياسياً واجتماعياً حتى يومنا الحالي، ولن يتوقف هذا الدعم مهما طال الزمن، لأن هذا النوع من التعليم والتدريب سيؤدي إلى تطور وتنمية المواطن والمواطنة على حد سواء.
منذ بدايات التعليم في الكويت (1911) وأولو الأمر وشعب الكويت لم يبخلوا أبداً بدعم التعليم بجميع مستوياته وأنواعه، الله يديم علينا نعمة العلم والعمل.
شكر وتقدير
أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى أسرة العاملين في مركز البحوث والدراسات الكويتية وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور عبدالله يوسف الغنيم لإعادة نشر مجلتي الرائد والبعثة، اللتين استعنت بهما في سرد هذه الوثائق والتواريخ. |